كيف أصنع مجسمات فايبرجلاس
في هذه المقالة، أصحبكم في رحلتي الفنية لصنع تماثيل الخيول العربية: من الإلهام بالنموذج ، مروراً بالنحت الرقمي ببرنامج ZBrush، وصولاً إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد واللمسات النهائية. رحلة واقعية بسيطة تكشف كواليس تحويل الفكرة إلى عمل فني ملموس يحمل روح العروبة والأصالة.
كيف أصنع مجسمات فايبرجلاس؟
كتبت هذه المقالة لأشرح لكم ببساطة وواقعية رحلتي في صنع اعمالي الفنية من المجسمات الصغيرة والكبيرة،
خطوة بخطوة، كما أفعلها تماماً.
١- الإلهام
بغض النظر عن الأسلوب أو المادة التي أستخدمها، كل شيء يبدأ بفكرة. وفي حالتي، أستمد إلهامي دائماً من العمل مع نموذج حقيقي. نادراً ما أبدأ بفكرة جاهزة ومحددة مسبقاً؛ بل أجعل العملية حواراً تعاونياً حياً بيني وبين النموذج.أحياناً أرسم اسكتشات أولية،

أو أغوص في مخيلتي لأستحضر هيئة الحصان العربي الأصيل في لحظة وثوب أو رعي، حيث تكون التفاصيل الدقيقة مثل تقوس الرقبة الرشيقة، أو اتساع المنخارين، أو ارتفاع الذيل هي جوهر العمل.
النموذج يستغرق مني وقتاً طويلاً جداً؛ ساعات، أيام، وحتى أسابيع. ولا يمكنني بالطبع أن أطلب سواء كان إنساناً أو حيواناً أن يثبت بلا حركة كل هذا الوقت. بدلاً من ذلك، ألتقط عدة صور للوضعية المطلوبة من زوايا ووجهات نظر مختلفة، ثم أستخدم هذه الصور كمراجع لي عندما أبدأ في تشكيل العمل.
٢- التصميم والتشكيل
أقوم بتشكيل التمثال رقمياً باستخدام برنامج يسمى ZBrush.هذه هي أصعب مرحلة في العملية وتستهلك معظم الوقت، لكنها في الوقت نفسه الأكثر متعة ورضاً للروح الفنية.برنامج ZBrush يسمح لي بالتعامل مع "طين رقمي" باستخدام أدوات متنوعة لأقطع، وأشد، وأدفع، وأحفر، وألف، وأضيف، وأزيل، وأطيل، وأنحت... تماماً كما أفعل مع كتلة الطين الحقيقي.يمكنني إنجاز عمل مثل الذي ترونه في الصورة خلال حوالي ٥ أيام عمل.
كنتُ في السابق أشكّل يدوياً باستخدام الشمع أو الطين، والانتقال إلى التشكيل الرقمي كان منحنى تعلم صعب تطلب مني مئات الساعات من الصبر. حتى أتقن هذه الحرفة، كنت أتحسن يوماً بعد يوم في فن النحت الرقمي.

٣- التصنيع
نموذجي الرقمي الآن أصبح ملفاً رقمياً بدلاً من كتلة طين جاف. هذا الملف الرقمي يمكن مشاهدته على الكمبيوتر أو أي جهاز رقمي آخر. لكنني الآن أريد تحويله إلى جسم حقيقي ملموس. يمكن تحقيق ذلك باستخدام عدد من التقنيات. يمكن قصّه بالليزر من مواد متنوعة، كما أفعل في أعمالي الخشبية أو الأكريليكية او مجسمات المعادن.

أو يمكن نحتُه من كتلة خشب، أو رخام، أو بوليسترين باستخدام آلة CNC .
لكن تماثيلي الصغيرة تُطبع ببساطة باستخدام الريزين
يجب أن أعدّ الملف للطباعة ثلاثية الأبعاد. أقوم بتجويف التمثال لجعل سماكة جدرانه حوالي ٢ ملم. هذه الخطوة لتقليل كمية المادة التي سيتم طباعتها، وبالتالي تقليل تكلفة ووقت طباعة الجسم. كلما قلت المادة، قل الوقت والتكلفة للطباعة.
بما أن استوديو Abasetart متخصص في هذا المجال، فإنني أتولى عملية الطباعة بنفسي داخل الاستوديو الخاص بي منذ عام 2017، لأضمن أعلى درجات الجودة باستخدام أحدث التقنيات.
بمجرد أن يجف الريزين تماماً.
أقوم برش التماثيل بأعلى جودة من دهانات المينا الخاصة بالسيارات.أفضّل دائماً استخدام ألوان محايدة مثل الأبيض أو الأسود الساتان، لأنها لا تشتت الانتباه عن الشكل وهو الجانب الأهم في أي منحوتة. أريد للمشاهد أن يركز على انسيابية الخطوط وحيوية الوقفة، لا أن يلهيه بريق الألوان.

.٥- المزايا والعيوب
ما هي مزايا وعيوب العمل الرقمي مقارنة بالطرق التقليدية؟كنتُ أشكّل سابقاً بالشمع أو الطين. ثم كنتُ أضطر لصنع قالب لصب النسخ في الراتنج، أو البرونز، أو حتى الشوكولاتة إذا أردت! لكنني اكتشفت عدة مزايا في العمل الرقمي:
١- سحر التراجع (Ctrl-Z): إذا أخطأت، يمكنك التراجع فوراً وبضغطة زر.
٢- لايجف: بعكس الطين، عملك الرقمي لا يجف أبداً، ولا يحتاج إلى هياكل دعم معقدة.
٣- حرية المقاس: الحجم في العالم الرقمي مجرد رقم؛ يمكنك النحت بتفاصيل دقيقة جداً ثم تكبير العمل بأية نسبة تريدها.
٤- تنويع الافكار : القدرة على العمل على عدة نسخ من نفس الفكرة في وقت واحد.
٥- إعادة الاستخدام: يمكنك إنشاء عمل جديد بمجرد تعديل عمل موجود مسبقاً. لا حاجة لإعادة اختراع العجلة في كل مرة.
لكن هناك أيضاً بعض العيوب:
١- النقل الى الواقع: المشكلة الرئيسية هي أنك تحتاج إلى وسيلة لتحويل ملفك الرقمي إلى جسم ملموس. التقنيات الحالية مثل النحت بـ CNC أو الطباعة ثلاثية الأبعاد لا تزال لها حدودها التقنية.
٢- منحنى التعلم: النحت باليد عملية غريزية؛ معظم الناس يستطيعون تشكيل شكل مقبول في أقل من ساعة دون توجيه. الأطفال مميزون في هذا بشكل خاص. أما النحت الرقمي فلا يشبه الغريزة أبداً؛ أنت تتفاعل مع عملك من خلال واجهة معقدة تتطلب اكتساب ردود فعل وإيماءات جديدة تماماً.
٦- هل هذا فن؟
هذا سؤال مهم. الفن الرقمي لا يزال جديدًا وكثيرًا ما يُساء فهمه. بعض النقاد اليوم ينظرون إليه بازدراء، تمامًا كما نظر نقاد القرن التاسع عشر إلى التصوير الفوتوغرافي. واليوم، أصبح التصوير الفوتوغرافي فنًا له مكانته المرموقة.
الفنانون دائمًا ما كانوا أول من يستخدم التكنولوجيا الجديدة، وإلا لكنا مازلنا نرسم على جدران الكهوف. حتى أساتذة عصر النهضة استخدموا "الكاميرا المظلمة" لعرض صورة نموذجهم على القماش ليساعدهم في الرسم. هذا لم ينتقص أبدًا من جمال وروعة لوحة "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي".
ما يهم حقًا هو الجمال والإحساس والسحر الذي ينبعث من العمل الفني، بغض النظر عن الأداة المستخدمة. وفي هذا الجانب، لا توجد تكنولوجيا قادرة على إنقاذ عمل فني رديء. أجهزة الكمبيوتر ليس فيها زر "اصنع تحفة فنية". الفنان ما زال بحاجة إلى فكرة، رؤية، إحساس بالتناغم، معرفة بالتشريح، تغذية بصرية، ومهارات وخبرة لا تُكتسب إلا بآلاف الساعات من العمل الجاد والمثابرة.
هناك من يعتقد أن العمل غير المصنوع يدويًا يفتقر إلى روح الفنان وشخصيته. هذا مفهوم خاطئ سببه الجهل بطبيعة العمل. في الحقيقة، يد الفنان وعقله هما من يقودان الكمبيوتر. اعتبر الكمبيوتر مجرد أداة. وجود برنامج للكتابة على حاسوبك لا يجعلك شاعرًا أو روائيًا عظيمًا. ما زلت بحاجة إلى فكرة، وإتقان للغة، ومفردات، وقواعد، وخيال خصب. وتحتاج أيضًا إلى أن تتعلم كيف تكتب بسرعة!
إذا فكرنا في الكم الهائل من الأعمال الفنية المعاصرة السطحية التي تُنتج يدويًا في دقائق، نجد أن الفنانين الرقميين أكثر صدقًا وإبداعًا وخيالاً واجتهادًا وفضولاً. إنهم يدفعون حدود الإبداع إلى آفاق جديدة، ويكسرون الحواجز. هم عادةً شباب ولا يخافون من الاستكشاف. الأدوات الرقمية تفتح عوالم من الاحتمالات لم تكن متخيلة من قبل. أنا أعتقد أن عظماء مثل ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو لو كانوا يملكون أجهزة كمبيوتر، لكانوا بلا شك يستخدمونها (وليس لدي الجرأة لمقارنة نفسي بهم طبعًا!).
البعض يظن أن الإبداع الرقمي سهل. هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. إذا كنت تعتقد ذلك، أدعوك لتجربته بنفسك او تواصل معي لنناقش مشروعك.
بقلم: الفنان عبد الباسط صلال




